أدخل المادة المراد البحث عنها في محتوي الموقع ...
مادة البحث :
 
ما رأيك في مستوى الخدمات التي يقدمها الموقع؟


استقلال المحاماة فى المملكة ودوره فى تحقيق العدالة 10/07/2011 الدكتور عبد الله بن محفوظ راجع سيرة ذاتية للباحث
مضمون الدراسة

 

لن تكتمل العدالة دون استقلال المحاماة

أجزم أن القرار الذي أصدره وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز بناء على المادة 112 من نظام الإجراءات الجزائية، يحمل الكثير من المضامين، في مقدمتها جدية صانع القرار وولي الأمر على تفعيل الأنظمة العدلية، بما يسهم أخيراً في تقنين وتوضيح الإجراءات الجزائية!

قرار وزير الداخلية ليس في حاجة إلى قراءة أو تحليل أو تفسير من الخبراء والاختصاصيين في شؤون القضاء والقانون، فهو يحدد بشكل صريح الجرائم الجنائية في 15 بنداً، التي يستوجب فيها التوقيف.

إذاً، لا مجال للاجتهاد أو الخطأ المتعمد، حيث أطراف معادلة الجريمة تحددت حقوقهم وردود أفعالهم، حتى الأطراف الأخرى وفي مقدمتهم محامو الدفاع، سيجدون أنفسهم أكثر انضباطاً، ما يعني أخيراً أن الأنظمة العدلية الصادرة من شأنها تحويل نظام المحاماة إلى واقع فعلي ملموس، لذلك نجد أن صدور أي نظام عدلي أو قضائي، يكرر علينا في كل مرة السؤال المطروح على الساحة المحلية في وطن مثل السعودية، هل استقلال المحاماة بات استحقاقاً حتمياً؟

في اعتقادي (المهني) أن هذا الاستحقاق حتمي، ولكن في الوقت نفسه في حاجة إلى دعم صانع القرار، وفي مقدمها أن يتضمن نظام المحاماة ولائحته التنفيذية نصاً يؤكد خصوصية مهنة المحاماة واستقلاليتها، وأهميتها في إعلاء الحقوق الأساسية للمواطنين، وفي دفع الظلم والدفاع عن الحقوق والمصالح القانونية لموكله والسعي إلى الصلح بين الخصوم وتقديم العون القانوني إلى المحتاجين.


المحامون السعوديون، وأنا أقف في الصف الأخير منهم، يطمحون إلى أن يحدث تعديل جذري يوضح بنص صريح (استقلاليته)، بما يلزم المحاكم الشرعية وبقية الأجهزة العدلية والتنفيذية بالتعامل مع (المحامين) على أنهم مكملون لدور القضاء في تحقيق العدالة شأنهم في ذلك شأن القضاة، واعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من المحكمة العدلية.


فإن كان النظام الأساسي للحكم الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم أ/9 وتاريخ 27/8/1412هـ لم يتردد في المادة 46 منه عن تأكيد استقلالية القضاء السعودي حيث ورد النص صراحهً على أن “القضاء سلطة مستقلة ولا سلطان على القضاء في قضائهم” وكذلك نص نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/64 وتاريخ 14/7/1395 في المادة (1) على تأكيد وترسيخ استقلالية القضاء حيث ورد النص: “والقضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشرعية الإسلامية والأنظمة المرعية وليس لأحد التدخل في القضاء”.


نظام المحاماة السعودي وعلى خلاف أنظمة المحاماة في العالم بما في ذلك أنظمة المحاماة في الدول العربية والإسلامية، لم يرد فيه نص مماثل لما ورد في نظام الحكم أو نظام القضاء بل أغفل تماماً أي إشارة إلى استقلالية هذه المهنة وخصوصيتها, ناهيك عن حصانتها.


ومن البدهي أن نلاحظ في السنوات الأخيرة أن مهنة المحاماة في السعودية أصبحت ترتبط ارتباطا وثيقا بالحياة الاقتصادية والاجتماعية، لأهميتهما في الحياة العامة وفي فض النزاعات وفي تقديم الخدمة القانونية والاستشارية المتكاملة بالمصالح الحيوية للمجتمع.


لذلك حين عقدت اللجنة الوطنية للمحامين السعوديين اجتماعها السادس والثلاثين بتاريخ 12 تموز (يوليو) 2007 برئاسة نائب الرئيس جاسم بن محمد العطية، كان بغرض تفعيل نظام المحاماة وتطبيق الشروط الواجب توافرها لمن له حق الترافع أمام الجهات القضائية، ولكي تتأسس (المهنة) على مفاهيم وأسس راسخة وتكون الممارسة سليمة كان لا بد للمحامين من الإسهام في تقديم خبراتهم والإسهام في تطوير الأنظمة والتشريعات العدلية.


ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن عدداً كبيراً من الزملاء المحامين أسهموا خلال السنوات الخمس الأخيرة على وجه الخصوص، في إثراء نظام العدالة لصالح المجتمع وفي تحقيق الرسالة السامية لدورهم، وفي مقدمهم دور الأمير بندر بن سلمان مستشار خادم الحرمين الشريفين في تطوير نظام التحكيم السعودي، والدكتور حسن بن عيسي الملا رئيس اللجنة الوطنية للمحامين في مجلس الغرف السعودية بدعم تأسيس هيئة المحامين، وعبد الله بن محمد الناصري في توثيق الأحكام ونشر الأنظمة العدلية من خلال موقع الإنترنت (محامون)، وسليمان الشايقي في إصدار وطباعة جميع الأنظمة السعودية، وعبد الرحمن اللاحم في التطوير والدفاع عن أنظمة حقوق الإنسان السعودي، ودورهم جاء مكملاً لجهود الأساتذة الكرام مثل أحمد محمد مظهر رئيس اللجنة الوطنية للمحامين سابقاً والدكتور سعود العماري.


إن وزارة العدل في شخص وزيرها ووكلائه ونوابه، مطالبون أكثر من أي وقت مضى بتتويج جهود جميع المهنيين المحامين، وبتوفير الدعم الكامل لتأسيس هيئة المحامين السعوديين، لتكون هيئة ذات شخصية اعتبارية، خصوصاً بعد أن وجه المقام السامي بتشكيل لجنة مختصة في وزارة العدل لدراسة الطلب المقدم من المحامين في هذا الخصوص.


ودور الهيئة المرتقب بأن تتولى شؤون المهنة وتتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية ويناط بها جميع السلطات والصلاحيات والمهام المتعلقة بالمحامين من حيث تنظيم المهنة وحمايتها والارتقاء بها والحفاظ على سمعتها ورعاية شؤون المحامين المعيشية في نطاق مظلة الخدمات الاجتماعية التي يتعين توافرها، وتكون الهيئة هي الجهة المنوط بها وحدها مساءلة المحامين تأديبياً عن أي مخالفات تتعلق بنظام المهنة أو سلوكياتها أو أخلاقياتها أو ممارستها، فاستقلال الهيئة يشكل الضامن الأساسي لاستقلال المحامي، وحتى تتمكن من أداء دورها يجب أن تكون ذات إرادة مستقلة يقرها النظام ويكفلها وأن تكون مجالسها التمثيلية منتخبة دون تدخل أي جهة حكومية.


إن أهمية دور المحامي في الفهم السليم لحقوقه، ووضعها في مكانها الصحيح كجزء لا يتجزأ من سلطة العدل، فالمحامي السعودي أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من القضاء الشرعي، والقاضي في الوقت الحاضر يصدر حكمه بعد أن يعتمد في قراره على وقائع وحيثيات ودفوع القضية التي يقدمها المحامون الذين حضروا أمامه وقدموا الأدلة والمراجع التي تخدم القضية، ويتعاظم دور المحامين القادرين على إيصال العدالة للجميع وتحسين وتقريب العدالة، وعرض قضاياهم على القضاء بتعزيز فهم المواطنين دور النظام في المجتمع.
ختاماً، إن استقلال المحاماة كجزء من استقلال نظام القضاء، وأصبح مطلباً ملحاً كجزء من استحقاق نظام المحاماة، لإقامة العدالة وحماية فاعلة لحقوق الإنسان وحرياته، إن المحامي في أدائه مهمته وواجبه لا يخضع لغير ضميره الحر المستقل، فمهنته دعامة العدل، والعدل أساس الملك ولا عدل بغير قضاء ولا قضاء بغير محاماة…. وللحديث بقية.

 

 

 

 

ثالثا : متى يتم استقلال المحاماة في السعودية

حسب تصريح معالي وزير العدل لجريدة “الجزيرة” في العدد 11198 وبتاريخ الثلاثاء 26/3/1424هـ بأن الوزارة تعتزم إنشاء هيئة المحامين السعوديين، وكذلك تصنيف المحامين وفق تدرج المحاكم، حيث لا يحق للمحامي الترافع أمام جهة قضائية أعلى من جهة لم يترافع أمامها من قبل، وصرح أن التنظيم القضائي المقبل يتكون من المحكمة العليا، ثم محاكم استئناف ثم المحاكم العامة، هذا إضافة إلى إنشاء محاكم جديدة تختص بالقضايا العمالية والتجارية ومحكمة الأحوال الشخصية وتحويل المحاكم الجزئية إلى محاكم جزائية تختص بالنظر في القضايا الجنائية، وهذا النظام والترتيب القضائي سينعكس تنظيماً على أعمال المحامين.


ونظرا لسعي الوزارة توقف اللجان الاستثنائية وعودة عملها إلى المحاكم المختصة، تنفيذا للأمر الملكي الكريم رقم ا/14 وتاريخ 23/2/1426هـ، والذي يأتي مواكباً للتنظيمات القضائية في العالم الإسلامي.


ولكن أستأذن مقام الوزارة توضيح نقطة مهمة، وهي عبارة (القضاء الشرعي) التي ما زالت متداولة لدينا!! فهل يعني ذلك أنها ( عبارة ) للتفريق بينها وبين الأنظمة الوضعية مثل (نظام العمل - نظام الشركات – نظام التأمين – نظام التحكيم) مع أنها أنظمة قضائية، وتشريعاتها نظامية؟


نقطة نظام ونقف عندها ونقول إن القضاء السعودي يجب أن يكون كتلة مترابطة، وليس أجزاء (مبعثرة) فالقضاء الشرعي تُفترض فيه شموليته بإصدار أحكامه على كامل القضايا بجميع أنظمتها والتكيف مع مفهوم التشريع الوضعي بما لا يتعارض مع ثوابت الأحكام الشرعية، وليس هناك سبب وجيه أو مانع شرعي يحد من أن القضاء الشرعي لا تدّخل ضمن نصوصه القضائية تشريعات يضعها رجال (القانون) في جميع التخصصات الإدارية والاقتصادية والمالية، وبالتالي تكون الأنظمة جميعها ضمن منظومة قضائية واحدة.


أعود بعد ذلك إلى حقوق المحامي في المحاكم القضائية، وأقول إن المحامي ليس منافساً للمحكمة أو خصماً للقاضي، بل يقتصر دوره على سرد الحجج وتقديم البراهين وعرض وجهة نظر موكله بأسلوب قانوني يرتقي إلى المستوى العلمي والمهني للقاضي في المحكمة.


والمحامين عون للقاضي، وعون للخصوم، وأداة فاعلة لتسليط الضوء على جانب من النزاع قد يهم الخصوم أكثر مما يهم المحكمة، وذلك من منطلق إثراء البحث القانوني للنزاع ولفت انتباه القضاة إلى مسائل قد تكون أساسية في القضية.
وتفعيل نظام المحاماة يأتي مواكباً للعديد من الأنظمة وأهمها نظام المرافعات الشرعية، ونظام الإجراءات الجزائية، ومن هنا يتضح أن الترافع والإثبات والاستئناف ودور النظام الإجرائي مرتهن بوجود محامٍ يطالب بتطبيقه باعتباره أداة عدالة يحق للخصوم استخدامها ما دام القانون أعطى الحق في استخدامها.


إن المحامي السعودي يعد من أعوان القاضي وعنصرا مهما في إجراء المحاكمة العادلة، سواء كانت قضية مدنية، أو دعوى جنائية يترادف فيها الحق العام بالحق الخاص.


وبعد هذا التوضيح لا يعقل أن تستمر معاملة المحامي في بعض (الأحيان) في المحاكم العامة على أنه دخيل على نظام العدالة، أو أنه يسعى إلى تحقيق أتعابه المادية فقط، أو أنه يمارس التدليس على المحكمة، أو أنه يمتهن المرافعة الخطابية، متناسين بذلك الدور المهم الذي يقوم به (المحامي) في خدمة الخصوم وإرشادهم إلى الطريق القانوني لأخذ حقوقهم وحمايتهم عن طريق القضاء.


وبما أن هذه النظرة لا تزال سائدة، بل ويتمسك بها (بعض) القضاة باعتبارها رأياً شخصياً له، إلا أنه يلحق ضرراً جسيماً بإجراءات التقاضي، وحقوق الخصوم الإجرائية التي نص عليها النظام وأسندها إلى المحامين في ظل ترتيب نظامي دقيق لدور المحامي وعمله الذي يفرض عليه أن يخدم موكله.


ولعل أبرز الحالات التي تؤثر في استقلال المحامي مهنياً هي (الاختصار) في مذكراته، أو أن يصادر حقه في المرافعة الشفهية، ويطلب منه تقديم مذكراته ومستنداته فقط دون مرافعة شفهية استناداً إلى أن القضية مفهومة للمحكمة ولا تحتاج إلى المزيد من الشرح أو أنها إهدار لوقت المحكمة.


انتقل قبل الختام إلى القطاعات الأخرى التي تتفاعل مع مطالبات المجتمع القانونية، وآخرها قرار مجلس غرفة جدة بإنشاء مركز جدة للقانون، وتعيين الزملاء الأستاذ معتصم خاشقجي والدكتور طارق آل إبراهيم والأستاذ عوض الهبيلي لعمل النظام واللائحة التنفيذية، وقرار المجلس استمددته من نصوص وروح النظام الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/6 وتاريخ 30/4/1400هـ. فالغرفة التجارية باعتبارها نظاماً (هيئة) لا تستهدف الربح ولها شخصيتها الاعتبارية فقد منحها النظام صلاحية التمثيل في دائرة اختصاصها، بل أوجب عليها النظام حماية تلك المصالح وتطويرها في نطاق العون القانوني والمشورة التي تستند في جوهرها إلى التشريعات والأنظمة والتعليمات والتعاميم والإجراءات والخدمة القانونية عموماً.


وبالتالي فإن مركز جدة للقانون سوف يصبح أحد أهم المراكز السعودية وأكثرها حاجة وأبلغها أهمية خصوصاً أنه ومن ضمن أغراض ومهام المركز إنشاء مركز مستقل للتحكيم كذراع أساسية من أذرع مركز جدة للقانون وذلك بإمكانيات وقدرات متطورة وكوادر مؤهلة ومتميزة.


إن الجهود التي تبذل من قبل الدكتور سعود المشاري مدير الشؤون القانونية في مجلس الغرف، ومن الدكتور ماجد قاروب رئيس لجنة المحامين في غرفة جدة، قد أسهمت بشكل مباشر في تفعيل نظام المحاماة ودعم القانونيين، حيث صدر قرار وزير التجارة والصناعة على قصر الترافع للشركات في المحاكم القضائية على (المحامي) المرخص له من وزارة العدل تطبيقاً لما جاء في نص المادة (18) من نظام المحاماة.
ختاماً لقد أسهمت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بتبنيها دراسة حول تمكين (المحامية) السعودية لدخول مجال المحاماة ورفعها للمقام السامي، وقد احتفلت الجمعية الأسبوع الماضي بتخريج الدورة التدريبية الأولى لـ 24 محامية، وكانت الدورة لاكتساب الخبرة الميدانية والنظرية في مجال حقوق الإنسان في مقر الفرع في جدة، ومن المأمول أن يتواكب دور (المحاميات) السعوديات في المستقبل القريب مع إنشاء محاكم الأحوال الشخصية وغيرها من المحاكم العامة.

اسم المستخدم :
كلمة المرور :
ادخل بريدك الالكتروني لتصلك احدث الأخبار ...
البريد الالكتروني :
المستشار مصطفى عمر أمين
مستشار
المحامي غرم الله بن عبدالله الغامدي
استشارات شرعية وقانونية محاماة ومرافعة ومدافعة
368974